تاريخ الأدب العربي: مدرسة الإحياء والبعث وجيل التطوير الكلاسيكي من البارودي إلى شوقي ومحرم
شهد الشعر العربي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بعثاً حقيقياً بعد عصور طويلة من التراجع والضعف السطحي إبان الحكمين المملوكي والعثماني؛ وكان رائد هذه النهضة الشاعر الفحل محمود سامي البارودي الذي أعاد للقصيدة العربية جزالتها وقوتها بمحاكاة كبار فحول الشعراء القدامى في أزهى عصور الأدب. وسرعان ما نشأ جيل من التلاميذ النجباء بزعامة أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، وأحمد محرم، الذين شكلوا جيل التطوير أو الكلاسيكية الجديدة؛ حيث فتحوا نوافذ الشعر على قضايا عصرهم ومشكلات مجتمعهم، وواءموا بعبقرية بين الأخذ من التراث العربي الأصيل والالتفات إلى ثقافة العصر ومنجزاته الحديثة، مطوعين الشعر للقصص التاريخي والمسرحي.
1. رائد البعث وتلاميذه ودوافع التجديد
أعاد محمود سامي البارودي للقصيدة رونقها، وتتلمذ على يديه جيل واعد بوسائل متعددة:
- وسائل التتلمذ: بالمشافهة (أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، إسماعيل صبري)، وبالمراسلة (شكيب أرسلان بلبنان)، وبقراءة ما نُشر في كتاب «الوسيلة الأدبية» للشيخ حسين المرصفي.
- الانفتاح على الثقافة الغربية: معرفة اللغات الأجنبية، ومخالطة الأجانب، وقراءة المترجمات إثر الاحتلال البريطاني عام 1882م.
- عمق النضال الوطني: ترسيخ الوعي بالماضي العريق، ورسوخ فكرة «الجامعة الإسلامية» كرمز لوحدة الأمة في مواجهة الوجود الإنجليزي.
- التفاعل مع قضايا العصر: موقفهم من القصر الحاكم، ودستور الأمة، وحرية الصحافة، وتعدد الأحزاب، وقضية تحرير المرأة، وإنشاء الجامعة المصرية.
2. مظاهر التطوير لدى جيل الكلاسيكية الجديدة
خطا تلاميذ البارودي بالشعر خطوة واسعة نحو التجديد فاقت ما صنعه أستاذهم:
- معالجة مشكلات المجتمع: التعبير عن قضايا الوطن والعالم الإسلامي والشؤون الاجتماعية الحديثة والراهنة.
- الاهتمام بالناحية البيانية: عدم الاكتفاء بالمحاكاة، بل العناية بروعة التركيب وجلال الصياغة وجمال الموسيقى وعذوبة النغم.
- إفساح المجال للتجارب الذاتية: التعبير عن مشاعرهم الصادقة مع التنويع في الأغراض الشعرية وابتكار المعاني.
- المواءمة بين اتجاهين: الأخذ من التراث الأصيل والالتفات إلى قضايا ومشكلات العصر وثقافته.
- سهولة الأسلوب وسلاسته: نتيجة ارتباط شعرهم بالصحافة اليومية التي خاطبت الجماهير العريضة.
ريادة أحمد شوقي ومظاهر التطوير في شعره
العوامل التي تهيأت لشوقي: جمع بين الثقافة العربية والثقافة الأوروبية، ودراسته للحقوق في فرنسا، واطلاعه على المسارح والآداب الفرنسية، ومشاهدته لكبار شعرائها (فيكتور هوجو، لامارتين، دي موسيه)، وتأثره بالجمهور والنقاد وحركة البعث الوطني بزعامة مصطفى كامل.
كما في قصيدته الخالدة «كبار الحوادث في وادي النيل».
في مدائحه النبوية العظيمة (نهج البردة، ولد الهدى).
استبدال الناقة بوصف الطائرة والسفينة والغواصة وقطار البخار.
مصرع كليوباترا، مجنون ليلى، قمبيز، علي بك الكبير، عنترة.
دور أحمد محرم: تطويع الشعر للقصص الملحمي
نجح الشاعر أحمد محرم في تطويع الشعر العربي للقصص التاريخي الحماسي، وألف عام 1933م ديوانه الخالد «مجد الإسلام» (الذي يسميه النقاد: الإلياذة الإسلامية)، حيث صور فيه الغزوات والبطولات الإسلامية وسيرة النبي ﷺ وصحابته الكرام بأسلوب ملحمي فخم ورصين.
ورشة الفكر والتحليل الأدبي المقارن (8 تدريبات نوعية)
اضغط على أي بطاقة لاكتشاف المعنى الدقيق، واضغط على أيقونة الصوت للاستماع للنطق:
اضغط على الإجابة لتتحقق من فهمك وتكتشف التفسير النموذجي فورياً: