النص القرائي والتحليل الفلسفي: «إرادة التغيير» - مفهوم الإرادة، والعلاقة بين الفرد والمجموع، ومعايير التطوير المجتمعي
يقدم المفكر والفيلسوف المصري الدكتور زكي نجيب محمود في مقاله الفلسفي الرصين «إرادة التغيير» رؤية علمية محكمة تعالج جوهر النهضة الإنسانية وشروط الانبعاث الحضاري؛ حيث يبرهن الكاتب بأسلوب منطقي متسلسل على التلازم الحتمي بين مفهومي الإرادة والفعل، مؤكداً أنه لا إرادة حقيقية بغير عمل هادف يزيل العوائق، كما لا فعل بغير تغيير يطرأ على الواقع. ويحل المقال بعمق إشكالية العلاقة الجدلية بين حرية الفرد والتزامه بقواعد الجماعة، مبيناً أنه لا تعارض بينهما طالما التزم المبدع بالإطار العام المنظم للسلوك؛ ليخلص إلى أن التغيير المنشود لن يتحقق إلا بثورة قيمية جذرية توحد بين العناية بالملكية العامة والخاصة، وتستبدل الزهو بالخروج على القانون بفخر الخضوع الواعي لسيادته.
النص القرائي الفلسفي الأصيل (مختارات مشكولة من صميم المنهج)
«الإِرَادَةُ هِيَ نَفْسُهَا العَمَلُ الَّذِي يُحَقِّقُ الهَدَفَ ويُزِيلُ مَا قَدْ يَحُولُ دُونَ تَحْقِيقِهِ، شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ الهَدَفُ هُوَ هَدَفَكَ أَنْتَ، وَإِلَّا كُنْتَ آلَةً مُسَخَّرَةً فِي يَدِ صَاحِبِ الهَدَفِ. وَإِذَا كَانَتِ الإِرَادَةُ هِيَ نَفْسَهَا الفِعْلَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَاضِحاً أَنَّ قَوْلَكَ (إِرَادَةُ الفِعْلِ) لَا يَزِيدُ شَيْئاً عَنْ قَوْلِكَ (الإِرَادَةُ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَا تَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَكُونُ (الوَالِدُ) وَالِداً بِغَيْرِ (وَلَدٍ)، وَلَا يَكُونُ (اليَمِينُ) بِغَيْرِ (يَسَارٍ)؛ فَكُلُّ هَذِهِ مُتَضَايِفَاتٌ لَا يَتِمُّ المَعْنَى لِأَحَدِهَا دُونَ أَنْ تُضِيفَ إِلَيْهِ الشِّقَّ الآخَرَ».
«وَكَذَلِكَ لَا فِعْلَ بِدُونِ تَغْيِيرٍ؛ فَأَنْتَ لَا تَفْعَلُ الفِعْلَ فِي خَلَاءٍ، بَلْ إِنَّكَ تُحَرِّكُ بِهِ شَيْئاً فَيَتَغَيَّرُ مَكَانُهُ أَوْ صِفَاتُهُ: كَانَ الحَجَرُ هُنَاكَ عَلَى الجَبَلِ فَأَصْبَحَ هُنَا جُزْءاً مِنَ الجِدَارِ، وَكَانَ المِدَادُ فِي الزُّجَاجَةِ فَأَصْبَحَ فِي القَلَمِ ثُمَّ تَفَرَّقَ عَلَى الوَرَقِ كَلِمَاتٍ تَقْرَؤُهَا. إِذَنْ فَقَوْلُنَا (إِرَادَةُ التَّغْيِيرِ) لَمْ يُضِفْ شَيْئاً إِلَى عُنْصُرِ الإِرَادَةِ، بَلْ هُوَ تَوْكِيدٌ لِذَاتِ المَفْهُومِ».
«إِنَّ أَهَمَّ مَا يَجِبُ أَنْ نُغَيِّرَهُ هُوَ مَعَايِيرُ القِيَمِ؛ فَأُولَى هَذِهِ القِيَمِ أَنْ نُوَحِّدَ فِي أَذْهَانِنَا بَيْنَ المَنْفَعَةِ الخَاصَّةِ والمَنْفَعَةِ العَامَّةِ، وَأَنْ نُسْقِطَ ذَلِكَ المَوْرُوثَ الاجْتِمَاعِيَّ الخَاطِئَ الَّذِي يَجْعَلُنَا نَزْهُو بِالخُرُوجِ عَلَى القَانُونِ، لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ الفَخْرُ بِالخُضُوعِ التَّامِّ لِسِيَادَتِهِ مَهْمَا كَانَتِ المَكَانَةُ».
العلاقة بين حرية الفرد وقواعد المجموع
يدحض الكاتب فكرة التعارض بين حرية الفرد والتزامه الجمعي عبر أمثلة واقعية:
- قواعد اللعبة وقوانينها: لاعب الشطرنج أو كرة القدم حر تماماً في تحريك قطعه أو تمرير الكرة بمهارة وابتكار، لكنه مقيد بقواعد اللعبة وقوانينها التي لا يملك تغييرها.
- قواعد اللغة وحرية الكاتب: الكاتب حر تماماً في اختيار موضوعه وصياغة أفكاره وبناء أسلوبه، لكنه مقيد التزاماً تاماً بقواعد النحو والصرف والمنطق؛ فلا يرفع مفعولاً به ولا يكتب كلاماً يناقض العقل.
معايير التغيير الحقيقي في المجتمع
حدد الكاتب الركائز الجوهرية التي ينبغي أن ينصب عليها التغيير لتحقيق النهوض:
- توحيد النظرة بين «العام» و«الخاص»: إزالة التفرقة العميقة بين العناية بالدار الخاصة وإهمال الشارع، والحرص على المال العام كالحرص على المال الشخصي.
- تجاوز التفرقة بين «أنا» و«هو»: إسقاط حصر العناية في دائرة الأقربين (الأنا والنحن) والتفريط في حقوق الأبعدين (هو وهم).
- إلغاء الزهو بالاستثناء من القانون: القضاء على ثقافة التفاخر بعدم الالتزام بالقوانين العامة، وترسيخ المساواة المطلقة أمام العدالة.
ورشة الفهم القرائي والتحليل النقدي الفلسفي (8 تدريبات نوعية)
اضغط على أي بطاقة لاكتشاف المعنى الدقيق، واضغط على أيقونة الصوت للاستماع للنطق:
اضغط على الإجابة لتتحقق من فهمك وتكتشف التفسير النموذجي فورياً: